
نعمة
الوطن: منحة إلهية وواجبات شرعية
إن
من أجلّ نعم الله تعالى على عباده بعد نعمة الإيمان والهداية، نعمة الاستقرار
والأمن والعيش في أوطان تحمي الديار وتصون الأنفس والأعراض. والوطن ليس مجرد بقعة
جغرافية نعيش عليها، بل هو المحضن الذي تُقام فيه شعائر الدين، وتجتمع فيه الكلمة،
وتأمن فيه السبل. وقد أدرك السلف الصالح وعلماء السنة قدر هذه النعمة، فصانوا
حرمتها ودعوا إلى لزوم غرز الجماعة وحفظ أمن الأوطان.
أولاً:
مفهوم الوطن والأمن في النصوص الشرعية
تدل
النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على ارتباط الإنسان الوثيق بوطنه ودياره؛ فالموطن
هو محل السكن والنشأة، ومفارقته تُعد من الأمور الشاقة التي قرنها الله تعالى
أحياناً بالنفس، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلوهُ إِلَّا
قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66].
كما
ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في تعلق القلب بالوطن حين أخرجه أهل
مكة، فالتفت إليها حنيناً وقال قولته الشهيرة مخاطباً إياها: «ما أطْيَبَكِ من
بَلَدٍ وأَحَبَّكِ إليَّ، ولولا أنَّ قومي أخْرَجوني منكِ ما سَكَنتُ غيرَكِ»
(رواه الترمذي). وفي دعائه الشامل لعامة الأوطان والديار: «اللهم حَبِّبْ إلينا
المدينةَ كحُبِّنا مَكَّةَ أو أشدَّ» (رواه البخاري ومسلم)، مما يبيّن أن حب
الديار والأوطان أمر جُبلي مشروع إذا أُطّر بطاعة الله عز وجل.
ثانياً:
شكر نعمة الوطن بالأمن والاستقرار
الوطن
الآمن هو حاضنة العبادة والعلم؛ فلا يُعبد الله علانية، ولا تُقام الجمع
والجماعات، ولا تأمن الحُرُمات إلا في ظل دولة تستتب فيها الأمن والأمان. وقد جاء
في الأثر المأثور عن الإمام مالك بن أنس وغيره من السلف أن الأمن أعظم نعم الدنيا،
وبه تستقيم مصالح العباد والدين. وشكر هذه النعمة يكون بأمور عدة:
1. إخلاص التوحيد وشكر المنعم:
بمعرفة أن هذه النعمة بفضل الله وحده، وصرف العبادة له سبحانه واستجلاب رحمته
بلزوم طاعته.
2. لزوم السمع والطاعة لولي الأمر بالمعروف:
وهو أصل أصيل عند أهل السنة والجماعة؛ إذ إن حفظ النظام العام ولزوم جماعة
المسلمين وإمامهم هو السور الحصين الذي تقي به الأوطان من الفتن والاضطرابات. وقد
قال الإمام الطحاوي رحمه الله في عقيدته الشهيرة: «ولا نرى الخروج على أئمتنا
وولاة أمورنا وإن جوروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعة، ونرى طاعتهم من
طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة».
3. تحقيق التلاحم ونبذ الفرقة:
فإن بقاء الأوطان بقوة تلاحم أبنائها واعتصامهم بحبل الله جميعاً، والتحذير من سبل
الفرقة والاختلاف التي تورد المهالك وتُطمع الأعداء في الديار.
ثالثاً:
حماية الوطن والذود عنه
من
حق الوطن على أبنائه الدفاع عنه وحمايته من كل مكروه وفساد، سواء كان ذلك بدفع
العدوان الخارجي، أو بحراسة أمنه الفكري والأخلاقي ضد الأفكار الهدامة والمناهج
المنحرفة التي تستهدف تفكيك نسيج المجتمع. إن استقرار الأوطان وثباتها هو ركيزة
أساسية لتمكين الدين ونشر العلم الشرعي والأمن المجتمعي.
خاتمة
إن
نعمة الوطن والأمن أمانة عظيمة في أعناق الجميع، تقتضي منا دوام الشكر بالعمل
الصالح، والتعاون على البر والتقوى، والدعاء المستمر بأن يديم الله على بلادنا
وبلاد المسلمين نعمة الأمن والإيمان، وأن يصرف عنها كيد الكائدين وفتن المضلين.